محمد بن جرير الطبري

4

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

نفسه في التوراة ، ببغيهم على أنفسهم ، وظلمهم لها . قل يا محمد : فأتوا أيها اليهود إن أنكرتم ذلك بالتوراة ، فاتلوها إن كنتم صادقين أن الله لم يحرم ذلك عليكم في التوراة ، وأنكم إنما تحرمونه لتحريم إسرائيل إياه على نفسه . وقال آخرون : ما كان شئ من ذلك عليهم حراما ، ولا حرمه الله عليهم في التوراة ، وإنما هو شئ حرموه على أنفسهم اتباعا لأبيهم ، ثم أضافوا تحريمه إلى الله . فكذبهم الله عز وجل في إضافتهم ذلك إليه ، فقال الله عز وجل لنبيه محمد ( ص ) : قل لهم يا محمد : إن كنتم صادقين ، فأتوا بالتوراة فاتلوها ، حتى ننظر هل ذلك فيها ، أم لا ؟ ليتبين كذبهم لمن يجهل أمرهم . ذكر من قال ذلك : حدثت عن الحسين بن الفرج ، قال : سمعت أبا معاذ ، قال : أخبرنا عبيد بن سليمان ، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : * ( إلا ما حرم إسرائيل على نفسه ) * إسرائيل : هو يعقوب ، أخذه عرق النسا ، فكان لا يثبت الليل من وجعه ، وكان لا يؤذيه بالنهار . فحلف لئن شفاه الله لا يأكل عرقا أبدا ، وذلك قبل نزول التوراة على موسى . فسأل نبي الله ( ص ) اليهود ما هذا الذي حرم إسرائيل على نفسه ؟ فقالوا : نزلت التوراة بتحريم الذي حرم إسرائيل فقال الله لمحمد ( ص ) : * ( قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين ) * . . . إلى قوله : * ( فأولئك هم الظالمون ) * وكذبوا وافتروا ، لم تنزل التوراة بذلك . وتأويل الآية على هذا القول : كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل من قبل أن تنزل التوراة وبعد نزولها ، إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة ، بمعنى : لكن إسرائيل حرم على نفسه من قبل أن تنزل التوراة بعض ذلك . وكأن الضحاك وجه قوله : * ( إلا ما حرم إسرائيل على نفسه ) * إلى الاستثناء الذي يسميه النحويون : الاستثناء المنقطع . وقال آخرون تأويل ذلك : كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل ، إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة ، فإن ذلك حرام على ولده بتحريم إسرائيل إياه على ولده ، من غير أن يكون الله حرمه على إسرائيل ولا على ولده . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله : * ( كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه ) * فإنه حرم على نفسه العروق ، وذلك أنه كان يشتكي عرق النسا ، فكان لا ينام الليل ،